الشيخ محمد رشيد رضا
307
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الأستاذ الامام : لم يكتف بربط الجزاء بالعمل حتى بين أن العمل هو الذي يستحقون به ما طلبوا من تكفير السيئات ودخول الجنة فقال ( فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ ) ذكر الاخراج من الديار بعد الهجرة من باب التفصيل بعد الاجمال فالهجرة انما كانت وتكون بالاخراج من الديار ، وتستتبع ما ذكر في قوله ( وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا ) من الايذاء والقتال ، وقرىء وقتلوا بتشديد التاء للمبالغة فمن لم يحتمل القتل بل والتقتيل في سبيل اللّه تعالى ويبذل مهجته للّه عز وجل فلا يطمعن بهذه المثوبة المؤكدة في قوله ( لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ) ومثل هذه الآية الآيات الكثيرة الواردة في صفات المؤمنين كقوله تعالى ( 49 : 15 إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا ) الخ وقوله ( 8 : 2 إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ) الخ وقوله ( 23 : 1 قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ ) الآيات ، وقوله ( 25 : 63 وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً ) الآيات ، وقوله ( 70 : 19 إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً ) الآيات ، وقوله ( 13 : 1 وَالْعَصْرِ ) الخ السورة وغير ذلك قال : هكذا يذكر اللّه تعالى صفات المؤمنين لينبهنا إلى أن نرجع إلى أنفسنا ونمتحنها بهذه الاعمال والصفات فان رأيناها تحتمل الايذاء في سبيل اللّه حتى القتل فلنبشرها بالصدق منها والرضوان منه تعالى والا فعلينا أن نسعى لتحصيل هذه المرتبة التي لا ينجى عنده غيرها . وإنما كلف اللّه المؤمنين الصادقين الموقنين المخلصين هذا التكليف الشاق لان قيام الحق مرتبط به وانما سعادتهم - من حيث هم مؤمنون بقيام الحق وتأييده ، والحق في كل زمان ومكان محتاج إلى أهله لينصروه على أهل الباطل الذين يقاومونه . والحق والباطل يتصارعان دائما ولكل منهما حزب ينصره فيجب على أنصار الحق أن لا يفشلوا ولا ينهزموا ، بل عليهم أن يثبتوا ويصبروا ، حتى تكون كلمته العليا ، وكلمة الباطل هي السفلى ، قال ) وانظر إلى حال المؤمنين اليوم تجدهم يتعللون بأن هذه الآيات نزلت في أناس مخصوصين كأنهم يترقبون أن يستجيب اللّه لهم ويعطيهم ما وعد المؤمنين من غير أن يقوموا بعمل مما أمر